أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
365
شرح مقامات الحريري
وكان عامة دعائه : اللهم انقلني من ذلّ معصيتك إلى عز طاعتك . وقال لرجل في الطّواف : اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ستّ عقبات ، وهي أن تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة ، وتغلق باب العزّ وتفتح باب الذلّ ، وتغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد ، وتغلق باب النوم وتفتح باب السهر ، وتغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر ، وتغلق باب الأمن وتفتح باب الاستعداد للموت . وقال محمد بن المبارك الصوريّ : كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس ، فنزلنا وقت القيلولة تحت شجرة رمّان ، فصلّينا ركعات ، فسمعت صوتا من أصل الرمان : يا أبا إسحاق ، أكرمنا بأن تأكل منا شيئا ، فطأطأ رأسه فقال ذلك ثلاث مرات ، ثم قال : يا محمد ، كن شفيعا إليه ليتناول منّا شيئا ، فقلت : يا أبا إسحاق ، لقد سمعت ، فقام وأخذ رمانتين ، فأكل واحدة وناولني الأخرى ، فأكلتها وهي حامضة ، وكانت قصيرة ، فلمّا رجعنا مررنا بها وهي شجرة عالية ورمّانها حلو ، وهي تثمر في كلّ عام مرتين ، وسمّوها رمانة العابدين . وركب إبراهيم في مركب ، فهاجت ريح شديدة ، فلفّ إبراهيم رأسه بعباءة وطرح نفسه مع الناس ، فسمعوا صوتا من البحر يقول : لا تخافوا ففيكم إبراهيم بن أدهم ، وصاح الناس في المركب : أين إبراهيم بن أدهم ؟ ثم سكنت الريح ، فخرج وما عرفوه . قال له رجل : من أين كسبك ؟ فقال : [ الطويل ] نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ، ولا ما نرقّع وأخباره في كتب التصوّف كثيرة تطول [ جبلة بن الأيهم ] وأما جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث الأوسط بن ثعلبة بن الحارث الأكبر بن عمرو بن جفنة ، وفي نسبه اختلاف . وهو آخر ملوك غسان ، وكان طوله اثني عشر شبرا ، فإذا ركب مسح الأرض بقدميه . ولما أراد أن يسلم كتب إلى عمر ليستأذنه في القدوم عليه ، فسرّ بذلك وكتب إليه : أن أقدم ، فلك ما لنا وعليك ما علينا ، فخرج في مائة فارس من عكّ وجفنة ، فلما دنا إلى المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوجة بالذهب الأحمر والحرير الأصفر ، وجلل الخيل بجلال الديباج ، وطوّقها أطواق الذهب والفضة ، ولبس تاجه وفيه قرطا مارية ، فلم يبق في المدينة إلا من خرج إليه ، وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه . ثم حضر الموسم مع عمر ، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل من فزارة فحلّه ، فالتفت إليه جبلة مغضبا ، فلطمه فهشم أنفه ، فاستعدى عليه الفزاريّ عمر ،